نبض الكويت يصدح طرباً: حكايات السحر في مهرجان فبراير الكويت 2026
حينما يدق شهر فبراير أبواب دولة الكويت، لا يأتي محملاً بنسمات الشتاء فحسب، بل يأتي محفوفاً بعبق التاريخ ووهج الاحتفالات الوطنية التي تمتزج فيها روح التحرير بروح الإبداع. وفي عام 2026، يطل علينا “مهرجان فبراير الكويت” بحلة استثنائية، ليؤكد أن “أرينا الكويت” ليست مجرد قاعة احتفالات، بل هي قلب القارة الفنية النابض، ومسرح تلتقي فيه أحلام الجماهير بإبداعات النجوم.
منذ اللحظة الأولى التي أُعلن فيها عن انطلاق المهرجان تحت الإشراف الفني لعملاق الإنتاج “روتانا” وبالتعاون مع شركة “إيفنتكوم”، تشكلت حالة من الاستنفار الفني في الأوساط العربية. الحضور الذي وُصف بـ “كامل العدد” لم يكن مجرد إحصائية، بل كان لوحة بشرية تعكس عطش الجمهور الكويتي والخليجي للفن الراقي، وللحظات التي لا تتكرر إلا في فبراير.
الليلة الأولى: عندما يُرتل “فنان العرب” آيات الجمال
لا يمكن لحدث فني بهذا الحجم أن يبدأ بغير “الرقم الصعب” في المعادلة الغنائية العربية. وقف فنان العرب محمد عبده على خشبة المسرح، ليبدد صمت الانتظار بتصفيق زلزل أركان القاعة. كانت ليلة الخميس أكثر من مجرد حفل غنائي؛ كانت رحلة استعادة للذاكرة الجمعية الخليجية.
بقيادة المايسترو العالمي هاني فرحات، وفرقة موسيقية ضمت أمهر العازفين، قدم محمد عبده درساً في الصمود الفني والأداء الطربي. تم تقسيم الحفل إلى جزئين، تخللهما استراحة قصيرة، لكن “أبو نورة” لم يسترح حقاً، فقد كان في حالة تجلٍّ مستمرة. قدم أكثر من 20 أغنية، بعضها لم يصدح به منذ سنوات، وكأنه أراد أن يهدي الكويت كنوزاً مخبأة في صندوق إبداعه.
“اشتقتلك حيل”.. هكذا بدأ فنان العرب، لتتحول الأغنية إلى رسالة حب مباشرة بينه وبين الجمهور الكويتي الذي لم يتوقف عن ترديد كلمات الأغاني وكأنه “كورال” مدرب.
شملت القائمة روائع مثل “الفجر البعيد” التي أعادت الحنين، و“اختلفنا” التي أثارت الشجن، ووصولاً إلى “بنت النور” التي أضاءت القاعة بهواتف المعجبين وتفاعلهم. ولم ينسَ محمد عبده تقديم “لورا” و”مين يقول الزين”، ليختم تلك الليلة التاريخية بأغنية “عند النقا”، تاركاً الجمهور في حالة من الانتشاء الفني التي استمرت حتى ساعات الصباح الأولى.
يُحسب للمخرج المبدع أحمد الدوغجي وفريقه الفني القدرة على نقل هذه الصورة الحية عبر الشاشات بكادرات عالمية، جمعت بين رهافة الإحساس وضخامة الحدث، مما جعل المشاهد خلف الشاشة يشعر بذات الحرارة التي يشعر بها الجالس في “الأرينا”.
الليلة الثانية: طاقة الشباب وعنفوان التراث
في مساء الجمعة، كانت الأجواء مختلفة تماماً. ليلة جمعت بين جيلين، وجسدت التطور الهائل في الموسيقى الخليجية. بدأت الفقرة الأولى مع المطرب السعودي المتألق عايض يوسف، الذي استطاع في سنوات قليلة أن يجد لنفسه مقعداً في الصفوف الأولى.
بقيادة المايسترو أحمد طه، صعد عايض المسرح وسط حماس منقطع النظير. وبكلمات مفعمة بالتواضع، وصف الجمهور الكويتي بأنه “الترمومتر” الحقيقي لنجاح أي فنان. قدم عايض باقة من أجمل أعماله، منها “حلو الكلام” و“عالم العشاق”، وتميز أداؤه بالثبات العالي والقدرة على التلاعب بالمقامات الموسيقية بسلاسة.
تفاعل الجمهور بشكل غير مسبوق مع أغنيته “لماح” و“سند قلبي”، حيث شارك عايض الجمهور الرقص والغناء، محطماً الحواجز التقليدية بين الفنان والمسرح. واختتم فقرته بالنشيد الوطني “يا دار”، ليرفع من وتيرة الحماس والوطنية في القاعة.
زلزال “ميامي”: عندما يغني أكثر من 5000 متفرج
بعد استراحة قصيرة، جاءت اللحظة التي ينتظرها الصغار قبل الكبار. صعد نجما فرقة ميامي الكويتية، خالد الرندي ومشعل ليلي، ليعلنا انطلاق حالة من “الهيجان الفني الجميل”. ميامي ليست مجرد فرقة، بل هي ظاهرة اجتماعية كويتية استمرت لعقود.
بأسلوبهم الفريد الذي يمزج بين الإيقاعات الخليجية والروح العصرية، قدموا “جويرة” و“صبوحة” و“الليالي”. لم يهدأ الجمهور للحظة واحدة؛ فالكل كان واقفاً يرقص ويغني. ومن اللفتات الرائعة، تقديمهم أغنية “متيم” للمطرب الراحل كرامة مرسال، في تحية وفاء للفن الأصيل.
الختام كان مسكاً مع “يا حلوكم”، وهي الأغنية التي تلخص علاقة الفرقة بجمهورها. غادر الجميع القاعة وهم يحملون في قلوبهم بهجة لا تنطفئ، مؤكدين أن ميامي تظل العلامة المسجلة للفرح في الكويت.
كواليس ومفاجآت: عبد الله الرويشد في القلب
خلف الستار، لم تخلُ الكواليس من المشاعر الإنسانية. كان الخبر الأبرز هو المفاجأة التي فجرها “سفير الأغنية الخليجية” عبد الله الرويشد، الذي حرص على التواجد في بروفات الفنان محمد عبده. هذا اللقاء الذي جمع العمالقة أثلج صدور المحبين، وكان بمثابة رسالة طمأنينة عن صحة الرويشد، وتأكيداً على روح الأخوة والمنافسة الشريفة التي تميز رواد الفن الخليجي.
التنظيم في عام 2026 شهد قفزة نوعية؛ حيث تم استخدام تقنيات إضاءة تفاعلية مرتبطة بإيقاع الأغاني، وهندسة صوتية جعلت من كل زاوية في “أرينا الكويت” مكاناً مثالياً للاستماع، مما يعكس المجهود الضخم الذي بذلته فرق العمل الفنية واللوجستية.
ماذا ينتظرنا؟ جدول الأسبوع القادم
الحكاية لم تنتهِ بعد، فمهرجان فبراير الكويت 2026 ما زال في جعبته الكثير. أعلن المنظمون عن الليالي المقبلة التي من المتوقع أن تشهد إقبالاً تاريخياً مماثلاً:
- الخميس 22 يناير 2026: “صقر الأغنية العربية” الفنان رابح صقر، في ليلة من المتوقع أن تمزج بين آلات العود الساحرة والإيقاعات “الرابعية” الصاخبة.
- الجمعة 23 يناير 2026: ليلة كويتية خالصة بامتياز، يحييها “بلبل الخليج” نبيل شعيل، بمشاركة الفنانين وليد الشامي ومطرف المطرف، في توليفة غنائية تجمع بين العاطفة، القوة، والأصالة.
خاتمة: فبراير الكويت.. أكثر من مجرد مهرجان
إن النجاح المبهر الذي حققه افتتاح مهرجان فبراير الكويت 2026 هو رسالة واضحة للعالم أجمع، بأن الفن يظل هو اللغة الوحيدة القادرة على جمع الشعوب تحت راية واحدة. الكويت، ومن خلال هذا المحفل السنوي، لا تقدم مطربين فحسب، بل تقدم ثقافة، وتنظيماً، وحباً للحياة.
سواء كنت من محبي الطرب الكلاسيكي مع محمد عبده، أو من عشاق الحداثة مع عايض، أو ممن يبحثون عن الفرح الخالص مع ميامي، فإن فبراير الكويت هو وجهتك. استعدوا لليالي المقبلة، فالموسيقى في كويت العز لا تنتهي، والفرح في فبراير له طعم مختلف تماماً.
نلتقي في الأسبوع القادم تحت أضواء “الأرينا”! 🇰🇼






