منوعات

من مهندس إلى داعية: سيرة محمد المقرمي ورحيله المفاجئ

شهد الوسط الدعوي اليمني والإسلامي خبرًا موجعًا مساء فجر الأربعاء 26 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، بعدما أعلن عن وفاة محمد المقرمي، الداعية والمهندس اليمني المعروف، أثناء تواجده في مكة المكرمة تحضيرًا لصلاة الفجر. الحدث ترك صدى واسعًا في الأوساط الدينية والاجتماعية، وتداولته وسائل إعلام يمنية وعربية محلية، مع تعليقات حزينة من محبيه وزملائه الدعاة.

محمد المقرمي لم يكن مجرد اسم آخر ضمن أعداد كبيرة من الدعاة؛ بل كان نموذجًا فريدًا يجمع بين العلم الهندسي والدعوة الهادفة، بين العقلانية والروحانيّة، بين الطموح المهني والتحول الروحي. مسيرته شملت مرحلة من العمل في مجال الهندسة مرورا برحلة فكرية عميقة، ثم التفاني في الدعوة والتعليم والتوجيه. بفقدانه يُطوى فصل كبير من تاريخ الدعوة الوسطية في اليمن.

في هذا المقال نسلّط الضوء على حياة المقرمي، مسيرته الدعوية، ظروف وفاته، ردود الفعل على رحيله، وأثر هذا الحدث على محبيه وعلى الساحة الدعوية. الهدف أن نرسم صورة شاملة تليق برجل ترك أثرًا — ليس فقط بين اليمنيين، بل على مستوى أوسع من المتابعين للخطاب الدعوي المعتدل.

كما نضع بين أيدي القارئ تحليلاً لما مثلته وفاته: ليس مجرد خسرانة شخصية، بل لحظة تدعونا جميعًا للتأمل في قيمة الدعوة المتزنة، وأهمية الحفاظ على إرث دعاة الوسط والاعتدال. فالفقد هنا قد يثير تساؤلات: من سيكمل ما بدأه؟ وكيف يمكن أن تستمر رسالة دعاة كالشيخ المقرمي في زمن التغيير؟

التالي تفاصيل كاملة حول الخبر، حياة الشيخ، قيمه، أسبابه في أن يكون صوتًا مميزًا، وما بعد الخبر.

من هو محمد المقرمي؟ السيرة والمسار الأكاديمي والدعوي

ينحدر الشيخ محمد المقرمي من عزلة «المقارمة» في مديرية الشمايتين بمحافظة تعز اليمنية. نشأ في بيئة قروية محافظة، حيث تلقى تعليمه الأساسي في مناطق محلية قبل أن يخطو نحو الجامعة. حصل على البكالوريوس في هندسة الكهرباء، كما تلقى دبلومات عليا ودورات تدريبية في مجالات متعددة، ما أكسبه قدرات تحليلية وتمكّنًا من العلوم الدقيقة.

لكن تلك الخلفية الهندسية — التي قدّمت له نظرية مرتبة وقدرة على التفكير المنهجي — لم تشغله كثيرًا في نهاية المطاف عن البحث عن معنى أعمق في حياته. تأمل وتقرب للقرآن ودراسته، دفعاه لاتخاذ قرار مفصلي: أن يترك الهندسة خلفه ويتفرغ للدعوة والتعليم الديني.

ما يميّز هذا التحول، بحسب مصادر مقربة، أنه لم يكن وليد لحظة عاطفية، بل نتيجة سنوات من مراجعة داخلية، بحث في القيم، ومحاولات جادة لفهم الدين بعقل مفتوح. ومن هنا بدأ مسيرته الدعوية، بأسلوب جديد يجمع بين وضوح الفكرة وعمق المعنى، بين منهجية التفكير الهندسي وبصيرة الدعوة الروحية.

لم يقتصر عمله على المنابر التقليدية في المساجد، بل امتد إلى المنصات الرقمية: دروس ومحاضرات على الإنترنت، بودكاستات، فيديوهات، برامج دعوية، ما وسّع من دائرة تأثيره إلى خارج اليمن، ووصل إلى اليمنيين في الشتات وعشاق الدعوة المعتدلة في الأمة.

منهج الشيخ المقرمي الدعوي: وسطية، عقل، ووداعة

تميّز خطاب المقرمي بعدّة سمات جعلته مختلفًا عن كثير من الأصوات الدعوية: أولًا — التوازن بين الفكر والعاطفة: كان يستخدم تحليله المنطقي مستندًا إلى خلفيته العلمية، لكنه في الوقت ذاته يحرص على الروحانية، على العاطفة نحو القرآن، على التدبر والروحانية.

ثانيًا — تبسيط المفاهيم: لم يكن يدعو للتعقيد الديني، بل استخدم لغة بسيطة وواضحة، محبة للقارئ، بعيدة عن الاصطلاحات الثقيلة. هذا الأسلوب جعله قريبًا من جمهور واسع: طلاب، شباب، عائلات — ليس فقط المتخصصين في العلم الشرعي.

ثالثًا — الواقعية والتطبيق: كان يؤمن بأن الدعوة لا تقتصر على الكلام، بل على السلوك: “الداعية لا قيمة لكلماته إن لم تجسدها أفعاله” كما كان يقول — بحسب من عرفه. وهذا ما أكسبه احترامًا من مختلف الفئات، وخصوصًا من شباب يبحثون عن التوازن بين الدين والحياة المعاصرة.

رابعًا — الاستمرارية: لم يكتفِ بخطبة واحدة أو درس عابر، بل استمر في إنتاج محتوى غني عبر السنوات: دروس، محاضرات، تسجيلات صوتية وفيديو، تفسيرات، مقالات، مشاركات في برامج دعوية. هكذا ترك إرثًا ملموسًا يمكن الاعتماد عليه بعد وفاته.

ظروف الوفاة وردود الفعل

حسب مصادر إعلامية يمنية، توفي الشيخ فجر الأربعاء 26 نوفمبر 2025 في مكة المكرمة — أثناء تحضيراته لصلاة الفجر.

وقال بيان من وجّه نعيه إن الوفاة جاءت “بعد وقت قصير من أداء مناسك العمرة”، في لحظة هادئة، وصفها كثيرون بأنها «حُسن ختام» — أن يختم الداعية حياته في بيت الله، مستعدًا لصلاة الفجر.

ردود الفعل جاءت سريعة من مختلف الأطراف: من أسرته، من طلابه، من محبيه في اليمن وخارجها، من دعاة وشخصيات دينية، وحتى من مؤسسات رسمية. نعى الفقيد وزارة الأوقاف والإرشاد اليمنية، معتبرة رحيله خسارة كبيرة للدعوة الوسطية، ومشيرة إلى أن أعماله ومناهجه ستكون مرجعًا لشباب المستقبل.

كما نعاه مجلس المقاومة الشعبية بتعز وعدد من المنظمات والأوساط المجتمعية والدينية، معربين عن “بالغ الحزن والأسى” واصفين إياه بالداعية الملهم الذي جسّد الوسطية والاعتدال، وترك أثرًا في نفوس كثيرين.

وعبّر نجله عبر صفحته على فيسبوك عن صدمته وحزنه، داعيًا لمحبيه بالدعاء له ولأسرته بالصبر والسلوان.

إرث محمد المقرمي: بين الرقمية والتربية والإرشاد

رغم brevity (قصر الفترة) بين إعلان الوفاة وبين هذا التقرير، إلا أن مسيرة المقرمي تترك إرثًا حقيقيًا لا يمكن إنكاره: كمّا كبير من الدروس والمحاضرات المسجّلة، مئات الساعات من التوجيه الديني والتربوي، حضور رقمي ملموس عبر قنوات متنوعة، وكلها تشكل بنك علمي وروحي لمن يريد الاستفادة.

كما أن أسلوبه المتزن في الدعوة — الذي يوازن بين الفهم والنصيحة، بين العقل والعاطفة — يشكل قدوة للعديد من الشباب المهتمين بالدين دون تشدد، دون تعصب، دون غلو. في زمن كثرت فيه الأصوات المتطرفة، كان المقرمي نموذجًا مختلفًا: هادئًا، رحيمًا، يفهم هموم الناس، ويخاطبهم بقلب مفتوح.

وعبر مشاركاته في برامج دعوية، وحوارات، وبودكاست، ساهم في نشر ثقافة الفهم الوسط، والاعتدال، والتعايش، والقيمة الإنسانية — بدءًا من اليمن إلى الخارج العربي والإسلامي.

ماذا يعني رحيله للساحة الدعوية؟

فقدان الداعية محمد المقرمي ليس فقط خسارة شخصية لعائلته أو لأقاربه، بل — في رأي كثير من المهتمين — خسارة للساحة الدعوية في اليمن والعالم العربي. من الصعب أن نجد شخصًا يجمع بين هندسة علمية، فهم شرعي، قدرة على التبسيط، ورؤية تربوية تُلامس الواقع بهذا العمق والوضوح.

يغادرنا صوت وسط، معتدل، حكيم — في زمن يزداد فيه ضجيج التطرف، وتشويش الخطاب، والانقسام الفكري. رحيله يعيد إلى الأذهان أهمية الدعوة التي تبني لا تهدم، التي تجمع لا تفرق، التي تزرع قيمًا لا تزرع الخوف.

كما أن ذلك يضع تحديًا أمام الأجيال الجديدة: من سيكمل ما بدأه؟ هل هناك من سيرث هذا النهج ويواصله؟ وهل سيُستثمر الإرث – الدروس، التسجيلات، الفكر – لتنشئة جيل جديد من الدعاة المعتدلين؟

خاتمة وتأملات

حين نفكر في حياة الشيخ محمد المقرمي، نرى أكثر من مجرد داعية رحل؛ نرى مسارًا مليئًا بالبحث، بالتغيير، بالإيمان العميق، بالأمل في مجتمع أفضل، وباقتناع بأن العلم والدين يمكن أن يجتمعا ليشكّلا شخصية متوازنة، مقبولة، محبة للخير. رحيله — رغم الألم — يذكّرنا بأن الإنسان مهما بلغ من العلم أو المكانة، يبقى أمام الله كغبار، وأن الأهم ما نتركه من أثر.

وبينما تفيض كلمات العزاء والنعي في منصات التواصل ومنابر الإعلام، يظل الأمل في أن يستيقظ من رحيله آلاف من الدعاة والمصلحين، يتبنّون نفس النهج: وسطية، علم، حكمة، وهدوء في الخطاب. فترك المقرمي وراءه إرثًا، ليس أولاً للذكر، بل للمحبة، للوعي، للتعايش.

Views: 40

اظهر المزيد

Shimaa Alkouly

محررة صحفية مبدعة ومتقنة اتمتع بخبرة واسعة في صياغة النصوص بمختلف أشكالها ووموضوعاتها، كما أجيد فنّ صناعةِ المحتوى بمهاراتٍ تُضفي على كلماته رونقًا خاصًا، وكذلك أتمتع بإجادة فن صياغة النصوصَ بدقة وعناية فائقة، وأمتلك مهارات ممتازة في القواعد والنحو والهجاء والتدقيق اللغوي، وأتمتع بقدرة عالية على التحقق من صحة المعلومات والبيانات، لدي إلمام واسع بالأحداث الجارية والقضايا الراهنة.
زر الذهاب إلى الأعلى