مصر

لحظة القبض على دجال الدقهلية المتحرش: ماذا كشف التحقيق الأولي؟

لم يكن أحد يتخيل أن مقطع فيديو عابر، لم يتجاوز دقائقه الأولى، سيشعل واحدة من أوسع موجات الغضب في محافظة الدقهلية، ويكشف عن شبكة من الممارسات التي تمتد لسنوات طويلة خلف الأبواب المغلقة. الفيديو الذي انتشر كالنار في الهشيم، أظهر رجلاً يقدّم نفسه كمعالج روحاني، بينما يقوم بلمس جسد سيدة داخل منزلها بطريقة لا تمت للدين أو الطب أو أي ممارسة شرعية بصلة. ومن هنا بدأت القصة التي انتقلت من “تريند” على السوشيال ميديا إلى قضية رسمية تتصدر العناوين الإخبارية.

القضية ليست مجرد واقعة تحرش تحت غطاء “العلاج الروحاني”، بل نافذة واسعة تُطل على عالم خفي يعتمد فيه بعض الدجالين على استغلال ضعف النساء والأسر، وتوظيف الجهل والخوف للوصول إلى أهدافهم. ومع اتساع انتشار الفيديو، بدأت الروايات تتكشف واحدة تلو الأخرى، لتوضح أن ما حدث لم يكن حادثة فردية، بل نمطًا ممتدًا ظل مخفيًا لسنوات.

في هذا التقرير، نقدم تفاصيل وسبب القبض على دجال الدقهلية، وكيف تحولت جلسة علاج مزعومة إلى تحقيقات موسعة، وماذا تقول التحليلات النفسية والاجتماعية عن هذه الظاهرة، ولماذا تتكرر رغم حملات التوعية المستمرة.

بداية القصة: فيديو يخلّف صدمة واسعة ويتصدر محركات البحث

بدأت الأحداث حين ظهر مقطع فيديو مصور داخل منزل بإحدى قرى مركز المنصورة، يظهر فيه رجل مسن يضع يده اليمنى على منطقة حساسة من جسد سيدة، بينما يضع الأخرى على رأسها، ويحاول إقناع الحاضرين بأنه يعالجها من “عمل” يمنعها من الإنجاب. في البداية بدا المشهد أقرب إلى طقس روحاني، لكنه سرعان ما انقلب إلى اعتداء جسدي واضح، بعدما بدأ الرجل يتحسس جسد السيدة كاملًا ثم يضربها ضربًا مباشرًا، مدعيًا أن “الجن يقاوم”.

تظهر السيدة في حالة إعياء شديد، ورأسها ساقط إلى الأمام، وكأنها فقدت السيطرة على جسدها بالكامل. ومع كل ضربة يوجهها الرجل، يتبنى خطابًا دينيًا يخلط بين العبارات الشرعية والمفردات الشعبية، في محاولة لخلق حالة من الرهبة لدى الحضور.

المشهد كله بدا مصممًا لإقناع الأسرة بأن ما يحدث هو “علاج”، بينما الحقيقة أنه اعتداء يستغل أكثر لحظات الضعف الإنساني. وانتشر الفيديو بسرعة هائلة على مواقع التواصل، ليصبح واحدًا من أكثر المقاطع تداولًا خلال ساعات، وسط تعليقات غاضبة تطالب بمحاسبة الرجل فورًا.

من هو دجال الدقهلية؟ خلفية الرجل الذي خدع العشرات

بحسب ما كشفته التحقيقات وشهادات الأهالي، فإن الرجل المعروف باسم الشيخ رضا كان يمارس نشاطه منذ سنوات طويلة، متنقلًا بين القرى والبيوت لتقديم جلسات “العلاج الروحاني”. كان يقدم نفسه كخبير في “فك السحر” و“علاج العقم” و“طرد الجن”، ويعتمد على أساليب متكررة تستند إلى الصوت المرتفع، ولمس الجسد، وخلق حالة من الهلع النفسي.

كان الرجل يقرأ الآيات من هاتفه المحمول، ويعيد تكرار عبارات مثل “السحر مربوط”، “الجن مؤذي”، “مش هيخرج إلا بالعلاج”، وهي كلمات صيغت بعناية لإيهام الضحايا وأهاليهم بأنه يقوم بعمل شرعي.

لكن الشهادات التي ظهرت لاحقًا كشفت أن عشرات النساء جلسن أمامه لنفس “الطقس”، وأن بعضهن شعرن بالخوف من الإبلاغ خوفًا من الفضيحة أو الاتهام بالضعف الديني أو الجهل. وهنا تكمن خطورة الأمر، لأن البيئة التي تسمح بحدوث هذا النوع من الاستغلال تمنح الدجالين مساحة واسعة للعمل دون رقابة.

الجلسة الصادمة: ماذا حدث بالضبط؟

يوثق الفيديو لحظات ارتباك وسقوط نفسي للضحية، بينما يقف الرجل متحكمًا في المشهد. بدأ بلمس بطنها، ثم انتقل إلى مناطق حساسة من جسدها، دون أي مبرر شرعي أو طبي. وفي إحدى اللحظات، رفع صوته بشكل مبالغ فيه قائلاً: “الجن مؤذي… هيمشي بالعلاج”، وكأنه يحاول خلق حالة مسرحية لإقناع الحاضرين.

الأدهى من ذلك، أنه استخدم الضرب المتكرر على جسد السيدة، وكلامه كان مليئًا بالتضليل والتخويف، محاولًا إظهار نفسه كأنه يحارب قوة غيبية خارقة، كي يتجنب أي اعتراض من الأسرة. وأظهرت لقطات أخرى أن الجلسة استمرت لفترة طويلة، وسط صمت تام من الزوج والأسرة الذين ظنوا أنهم أمام حل لمشكلة عجزوا عن التعامل معها بالطرق الطبيعية.

مثل هذه الجلسات تُبنى عادة على الإرهاب النفسي، وتجريد الضحية من القدرة على الرفض أو الاعتراض، وهي طريقة شائعة لدى الدجالين الذين يتخذون الدين وسيلة للتلاعب والسيطرة.

التحرك الأمني: كيف تم ضبط دجال الدقهلية؟

ما إن انتشر الفيديو حتى بدأت الأجهزة الأمنية في رصد المقطع والتأكد من صحته. وخلال ساعات معدودة، كانت هوية الرجل قد تحددت، وتبين أنه مقيم في إحدى قرى مركز المنصورة. توجهت قوة أمنية إلى منزله، وتم ضبطه بعد مواجهة أكد فيها أنه كان “يعالج الحالة” بحسب ما ورد في اعترافاته الأولية.

التحريات أكدت أن الرجل كان يمارس هذا النشاط بانتظام، وأن بعض الأسر كانت تستدعيه بشكل دوري لحل مشكلات متعلقة بالإنجاب أو العلاقات الأسرية، مستغلًا حالة الضعف النفسي والاجتماعي. وتبين أنه لم يكن يحمل أي تصريح بممارسة الرقية الشرعية، وأن معظم جلساته تمت بشكل سري.

وبعد ضبطه، أحيل المتهم إلى النيابة العامة التي بدأت التحقيق معه حول الاتهامات الموجهة إليه، وعلى رأسها التحرش، والنصب، واستغلال الدين لأغراض غير شرعية، والاعتداء الجسدي على الضحية.

التفسير النفسي: لماذا تسقط النساء في فخ الدجالين؟

توضح الدكتورة إيمان ممتاز، استشاري الصحة النفسية، أن ما يحدث في هذا النوع من القضايا لا يعد مجرد خداع، بل يمثل استغلالًا نفسيًا مركّبًا. تقول الخبيرة إن النساء في لحظات الضعف، خصوصًا عند مواجهة مشاكل حساسة مثل تأخر الحمل، يكنّ أكثر عرضة للوقوع تحت تأثير الدجالين الذين يستخدمون لغة دينية معقدة وإيحاءات ضغط نفسي.

وتضيف ممتاز أن الصدمة التي تتعرض لها المرأة في مثل هذه الجلسات هي “صدمة مزدوجة”، تجمع بين الاعتداء الجسدي، والخداع النفسي، مما يجعل الضحية تشعر بالعجز بدلًا من المقاومة. وتؤكد أن الخوف من الفضيحة، أو الشعور بالعار، أو الاعتقاد أن ما حدث جزء من العلاج، كلها عوامل تجعل كثيرًا من الضحايا صامتات.

وترى أن المجتمع بحاجة ماسة إلى زيادة الوعي حول هذه الأنماط من الاستغلال، خاصة أنها تتم داخل البيوت، بعيدًا عن الرقابة، وتحت ستار الدين.

القضية لا تنتهي عند القبض: ماذا ينتظر المتهم؟

بعد القبض عليه، من المتوقع أن يواجه دجال الدقهلية حزمة من الاتهامات، من بينها:

  • التحرش والاعتداء الجسدي.
  • النصب والاحتيال.
  • ممارسة أعمال السحر والشعوذة.
  • استغلال الدين لتحقيق مكاسب شخصية.

ومن المرجح أن تستدعي النيابة أسرًا أخرى للاستماع إلى شهاداتهم، خاصة بعد ظهور رسائل من نساء أكدن أنهن تعرضن لممارسات مشابهة، لكنهن صمتن خوفًا من الفضيحة أو لاعتقادهن أن الأمر “علاج روحي”.

وتشير مصادر قانونية إلى أن القضية ستكون نقطة فاصلة في كيفية تعامل الدولة مع من يقدّمون أنفسهم كمعالجين بالقرآن دون تراخيص، خاصة مع تزايد حالات الاستغلال تحت هذا الغطاء.

البعد الاجتماعي للقضية: ماذا تعني لنا هذه الحادثة؟

تكشف قضية دجال الدقهلية أننا أمام ظاهرة متجذرة، لا يمكن مواجهتها إلا بإجراءات جماعية تشمل:

  • رفع الوعي العام بخطورة الجلسات غير الرسمية.
  • تشجيع النساء على الإبلاغ دون خوف.
  • تعزيز دور المؤسسات الدينية المعتمدة.
  • تجريم أي ممارسة للرقية خارج الأطر القانونية.

كما تبين الواقعة أن المجتمع بحاجة لإعادة تقييم مفهوم “العلاج الروحاني”، خاصة عندما يتحول إلى وسيلة للتلاعب واستغلال الأفراد نفسيًا وجسديًا.

وفي النهاية، ليست القضية مجرد فيديو انتشر، بل مرآة تعكس حاجة المجتمع إلى مواجهة حقيقية للخرافة، وتحصين الأسر من الوقوع تحت استغلال من يقدمون أنفسهم كـ”منقذين”، بينما هم في الواقع جزء من المشكلة.

Views: 2

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى